ابن قيم الجوزية
60
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
معهم . وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على اللّه رأيته معهم « 1 » . فهذا هو العبد المطلق ، الذي لم تملكه الرسوم ، ولم تقيده القيود ، ولم يكن عمله على مراد نفسه ، وما فيه لذتها وراحتها من العبادات . بل هو على مراد ربه ، ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه . فهذا هو المتحقق ب « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » حقا ، القائم بهما صدقا . ملبسه ما تهيأ . ومأكله ما تيسر . واشتغاله بما أمر اللّه به في كل وقت بوقته . ومجلسه حيث انتهى به المكان ووجده خاليا . لا تملكه إشارة . ولا يتعبده قيد . ولا يستولي عليه رسم . حر مجرد . دائر مع الأمر حيث دار ، يدين بدين الآمر أنى توجهت ركائبه . ويدور معه حيث استقلت مضاربه . يأنس به كل محق . ويستوحش منه كل مبطل ، كالغيث حيث وقع نفع . وكالنخلة لا يسقط ورقها . وكلها منفعة حتى شوكها . وهو موضع الغلظة منه على المخالفين لأمر اللّه ، والغضب إذا انتهكت محارم اللّه . فهو للّه وباللّه ومع اللّه . قد صحب اللّه بلا خلق ، وصحب الناس بلا نفس . بل إذا كان مع اللّه عزل الخلائق عن البين ، وتخلى عنهم . وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتخلى عنها . فواها له ! ما أغربه بين الناس ! وما أشدّ وحشته منهم ! وما أعظم أنسه باللّه وفرحه به ، وطمأنينته وسكونه إليه ! ! واللّه المستعان . وعليه التكلان . ثم للناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرق أربعة . وهم في ذلك أربعة أصناف الصنف الأول : نفاة الحكم والتعليل ، الذين يردون الأمر إلى محض المشيئة ، وصرف الإرادة . فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلا لمجرد الأمر ، من غير أن تكون سببا لسعادة في معاش ولا معاد ، ولا سببا لنجاة . وإنما القيام بها لمجرد الأمر ومحض المشيئة ، كما قالوا في الخلق : إنه لم يخلق ما خلقه لعلة ، ولا لغاية هي المقصودة به ، ولا لحكمة تعود إليه منه . وليس في المخلوقات أسباب مقتضيات لمسبباتها ولا فيها قوى ولا طبائع . فليست النار سببا للإحراق ، ولا الماء سببا للإرواء والتبريد ، وإخراج النبات ، ولا فيه قوة ولا طبيعة تقتضي ذلك . وحصول الإحراق والرّي ليس بهما ، لكن بإجراء العادة الاقترانية على حصول هذا عند هذا ، لا بسبب ولا بقوة قامت به . وهكذا الأمر عندهم في أمره الشرعي سواء . لا فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور ، ولكن المشيئة اقتضت أمره بهذا ونهيه عن هذا ، من غير أن يقوم بالمأمور به صفة اقتضت حسنه ، ولا المنهي عنه صفة اقتضت قبحه . ولهذا الأصل لوازم وفروع كثيرة فاسدة . وقد ذكرناها في كتابنا الكبير المسمى « مفتاح دار السعادة ، ومطلب أهل العلم والإرادة » وبينا فساد هذا الأصل من نحو ستين وجها ، وهو كتاب بديع في معناه . وذكرناه أيضا في كتابنا المسمى « سفر الهجرتين ، وطريق السعادتين » . وهؤلاء لا يجدون حلاوة العبادة ولا لذتها ، ولا يتنعمون بها . وليست الصلاة قرة أعينهم . وليست الأوامر سرور قلوبهم ، وغذاء أرواحهم وحياتهم . ولهذا يسمونها « تكاليف » أي قد كلفوا بها . ولو سمي مدّع لمحبة ملك من الملوك أو غيره ما يأمره به تكليفا ، وقال : إني إنما أفعله بكلفة : لم يعده أحد محبا له . ولهذا أنكر هؤلاء - أو كثير منهم - محبة العبد لربه . وقالوا : إنما
--> ( 1 ) عجيب أن يجعل ذلك قسما مستقلا ، مع أن المعقول عند الفقيه المتبصر في كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم : أن عكوف القلب على اللّه هو الإخلاص الذي هو جزء لازم لقبول العمل أي عمل .